أحمد بن علي القلقشندي
272
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشهير ، وأبو عذرتها حقّا من غير نكر وابن بجدتها السّاقطة منه على الخبير ، ومعقلها الأمنع وحرزها الحصين ، وعقدها الأنفس وجوهرها الثّمين ، وتلادها العليم بأحوالها ، والجدير بمعرفة أقوالها وأفعالها ، وترجمانها المتكلَّم بلسانها ، وعالمها المتفنّن في أفنانها ، وطبيبها العارف بطبّها ، ومنجدها الكاشف لكربها . هذا : وإنّه لمالك أمرنا ، ورافع قدرنا ، والصّائل منا بالحدّين ، والجامع منا بين الضّدّين ؛ فلو لقيه « فارس عبس » لولَّى عابسا ، أو طرق حمى « كليب » لبات من حماه آيسا ، أو قارعه « ربيعة بن مكدّم » ( 1 ) لعلا بالسّيف مفرقه ، أو نازله « بسطام » ( 2 ) لبدّد جمعه وفرّقه ؛ كما أنه لو قرن خطَّه بنفيس الجوهر لعلاه قيمة ، أو قاسمه « ابن مقلة » في الكتابة لما رضي أن يكون قسيمه ، أو فاخره « ابن هلال » لرأى انه سبقه إلى كلّ كريمة . وبالجملة فعزّه الظاهر وفضله الأكمل ، وسماكه الرّامح وسماك غيره الأعزل ؛ فلا يسمح الزمان أن يأتي له بنظير ، ولا أراد مدّع بلوغ شأوه إلا قيل : اتّئد فلقد حاولت الانتهاض بجناح كسير : فحيّهلا بالمكرمات وبالعلى وحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض فالحمد للَّه الذي جمعنا بأكرم محلّ وأفضل ، وأحسن مقام وأجمل ؛ فهلمّ إليه يعقد بيننا عقد الصّلح ، ونبايعه على ملازمة الخدمة والنّصح . ثم لم يلبثا أن كتبا بينهما كتابا بالصّلح والمصافاة ، وتعاهدا على الودّ والموافاة ، وأعلن بعقد الصّلح مناديهما ، وحدا بذكر التّعاضد والتّناصر حاديهما ، وراح ينشد :
--> ( 1 ) هو ربيعة بن مكدّم بن عامر بن حرثان ، من بني كنانة . أحد فرسان مضر المعدودين في الجاهلية . له أخبار أشهرها حمايته الظعن بعد مقتله . قتل سنة 62 ق . ه . ( بلوغ الأرب للآلوسي : 1 / 144 ) . ( 2 ) هو بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني : سيد شيبان ومن أشهر فرسان العرب في الجاهلية . قتل يوم الشقيقة سنة 10 ق . ه . ( بلوغ الأرب : 1 / 280 - 285 ) .